الاثنين, 20 أبريل 2026
492
ما يحدث اليوم في الجنوب ليس مجرد خلافات عابرة أو تباينات طبيعية في الرأي، بل هو حالة من الاستنزاف الخطير للنسيج المجتمعي، تُدار وتُغذّى بشكل ممنهج، حتى أصبح التخوين لغة سائدة، والانقسام سلوكًا يوميًا، والكل يدور في حلقة مفرغة تستنزف الجهد وتبدد الطاقة. في خضم هذه الفوضى، تراجعت القضية الوطنية الجنوبية إلى الخلف، وغابت الأولويات الحقيقية، بينما تقدمت المعارك الجانبية والمهاترات البينية لتتصدر المشهد، وكأنها الهدف بحد ذاته.
لقد نجح هذا المسار، وبسرعة لافتة، في ضرب الثقة بين أبناء الجنوب، وتحويلهم إلى أطراف متناحرة، كل طرف يشكك في الآخر، ويطعن في نواياه، دون إدراك أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، يُستخدم لخدمة نفس النتيجة: إضعاف الجنوب كقضية وككيان وكحلم جامع. الأخطر من ذلك أن هذا الواقع لا يُفرض، بل يجد له أرضًا خصبة في الداخل، عبر غياب الوعي، والانجرار خلف الشائعات، والتفاعل غير المسؤول مع حملات التحريض، حتى أصبح كثيرون يساهمون في هذا التدمير وهم يعتقدون أنهم يدافعون عن القضية.
هناك عمل مستمر، لا يتوقف، يستهدف تفريغ القضية الجنوبية من مضمونها الحقيقي، وضرب ما تبقى من رموزها وقواها، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو اجتماعية، عبر التشويه والإقصاء والتخوين. ويتم إشغال الشارع والإعلام بقضايا هامشية وصراعات داخلية، لإبعاد الأنظار عن الهدف الأساسي، ولمنع أي اصطفاف وطني حقيقي يمكن أن يشكل قوة ضغط فاعلة. ومع مرور الوقت، يتشكل واقع جديد، منفصل عن جوهر القضية، ومليء بالتشظي والضعف، ما يسهل السيطرة عليه وتوجيهه.
الرهان على أن الأمور ستتحسن من تلقاء نفسها، أو أن الماضي القريب يمكن أن يعيد إنتاج ذاته دون عمل ونضال، هو وهم خطير. لا أحد سيأتي بحل جاهز، ولا توجد قوى ستقدم إنجازًا مجانيًا. القضايا العادلة لا تنتصر إلا بوعي أصحابها، وتنظيم صفوفهم، وقدرتهم على تجاوز خلافاتهم، وتحديد أولوياتهم بدقة. الاستمرار في حالة التيه الحالية يعني مزيدًا من التآكل، ومزيدًا من فقدان الفرص، وربما الوصول إلى نقطة يصعب معها استعادة التماسك.
ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مزيدًا من الاتهامات، بل وقفة صادقة مع الذات، يُعاد فيها تقييم المسار، ويتم فيها إيقاف خطاب التخوين، على الأقل في هذه المرحلة الحساسة، لأن استمرار هذا الخطاب لا يخدم إلا خصوم القضية. المطلوب هو تحويل البوصلة نحو العمل الحقيقي: حشد شعبي واعٍ، بناء مؤسسات قوية، صياغة أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، ورسم رؤية مستقبلية تستند إلى الواقع لا إلى الأمنيات.
كما أن المسؤولية لا تقع على جهة دون أخرى، بل هي مسؤولية جماعية، تشمل القيادات، والنخب، والإعلام، والشارع. كل كلمة تُقال، وكل موقف يُتخذ، إما أن يساهم في البناء أو في الهدم. والاستمرار في حالة العبث الحالية هو اختيار، حتى وإن بدا للبعض أنه نتيجة ظروف مفروضة.
المرحلة تفرض وعيًا مختلفًا، وسلوكًا مختلفًا، وخطابًا مختلفًا. فإما أن يتم استدراك ما يمكن استدراكه، وإعادة توجيه الجهود نحو الهدف الأساسي، أو يستمر الانحدار حتى يفقد الجنوب ما تبقى من عناصر قوته. التاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من يفرطون في قضاياهم بأيديهم.