الأحد, 19 أبريل 2026
389
حين تتأمل ملامح المشهد في جنوبنا «المكلوم»، لا تملك إلا أن تضع يدك على رأسك من فرط العجب، فنحن أمام مفارقة تثير الضحك والأسى في آن واحد.
كيف لهذا الشعب الصابر، الذي سقى الأرض بدماء أغلى رجاله وخيرة شبابه، أن يرى الوجوه ذاتها تطل عليه مجدداً؟ ولكن هذه المرة بمساحيق تجميل سياسية جديدة، تمارس هواية «القفز المظلي» بين المكونات، وتغير جلودها مع كل إشراقة شمس!.
هؤلاء «القفازون» الذين يغادرون مركبًا ليركبوا آخر، لا يحملون في حقائبهم حلمًا لوطن، لكنهم يبحثون عن مرافئ دافئة لمصالحهم الشخصية ، ويتوهمون بسذاجة مفرطة أن استحداث « دكاكين » سياسية بمسميات رنانة هو الطريق لاستعادة الدولة، بينما الحقيقة الساطعة لا تُحجب بغربال الشعارات الجاهزة.
يا هؤلاء.. إن ذاكرة الشعب الجنوبي ليست «مثقوبة» كما تظنون! كيف يثق الشعب الجنوبي بمن كان بالأمس «يرعد ويُزبد» مؤكدًا أن المجلس الانتقالي الجنوبي هو مشروع الوطن وطوق النجاة الوحيد، ثم يطل علينا اليوم ببرود «ثلاجات الموتى» ليصف خطوات الأمس بأنها كانت مجرد «بيع للأوهام»؟.
إن هذا الانقلاب المفاجئ على الذات ليس «مراجعة شجاعة» كما يدعون، بقدر ما هو «إفلاس» قيمي وأخلاقي كاشف وفاضح، يؤكد أن القضية بالنسبة لهم ليست إلا «تذكرة عبور» للبقاء في دائرة الضوء والحفاظ على الامتيازات.
ولو كان هناك ثمة ذرة من صدق ، لكان الإدراك بأن الطريق اليوم لا يمر عبر «تفتيت المفتت» وزرع مكونات هشة بنفس الأسماء تحت رعاية «ممول جديد»، بل عبر تصحيح مسار «المجلس الانتقالي» ذاته، فالمجلس رغم الأخطاء والتجاوزات، استطاع عبر رجاله المخلصين نقل القضية من زوايا الساحات الضيقة إلى ردهات القرار الدولي.
نعم التعددية السياسية ظاهرة صحية لا نمانعها بل نشجعها ، لكنها التعددية التي تضخ دماءً وفكرًا جديدًا، لا تلك التي تعيد تدوير الوجوه والأسماء ذاتها في قوالب كرتونية.
هذا النضال «المعلب» الذي يتقنه هؤلاء القفازون هو نضال زائف بامتياز ، لن يحصد منه الشعب إلا خيبات أمل جديدة.
باختصار: بقاء هؤلاء في واجهة المشهد ليس حلًا للقضية الجنوبية، بقدر ماهو جزء أصيل من الأزمة التي تعرقل مسار التطلعات الشعبية الجنوبية، إن لم يكونوا هم «الأزمة» بعينها!.