> دوعن "الأيام" خاص:

شهدت مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، صباح أمس الأحد، حراكًا جماهيريًّا واسعًا، تمثل في مسيرات ووقفة احتجاجية أمام مبنى النيابة الابتدائية بمنطقة صيف، وذلك تضامنًا مع فرقة "البندر" المسرحية، ورفضًا لما وصفوه بـ"التدهور المتسارع في الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية"، مطالبين بإقالة مدير عام المديرية، سالم أحمد بانخر.
  • احتجاجات ومطالب
احتشد المئات من أبناء دوعن في فعالية شعبية لافتة انطلقت من جسر رباط باعشن، رددوا خلالها شعارات تطالب بإقالة المدير العام للمديرية، ورفعوا لافتات تندد بسوء الإدارة وتفاقم الأزمات اليومية من كهرباء ومياه وطرق ونظافة، مؤكدين أن مدير المديرية "فشل في أداء مسؤولياته ولم يقدم أي حلول ملموسة منذ توليه المنصب".

جانب من الوقفة الاحتجاجية أمام مبنى النيابة الابتدائية
جانب من الوقفة الاحتجاجية أمام مبنى النيابة الابتدائية

جاءت هذه الوقفة بعد أيام من تصعيد رسمي فجر موجة غضب، حين قام مدير المديرية برفع دعوى قضائية ضد فرقة البندر، على خلفية عرض مسرحي ناقد قدمته في دوعن، تناولت فيه تدهور الخدمات وسوء الإدارة بطريقة فنية ساخرة، لامست هموم المواطنين اليومية.
  • فن يتحول إلى صوت شعبي
الفرقة المسرحية التي تحظى بقبول واسع في أوساط حضرموت، أثارت بعرضها المسرحي الأخير في دوعن اهتمامًا كبيراً، بعد أن جسدت على الخشبة واقعاً مأساوياً يعيشه الأهالي، بدءًا من الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي، وصولًا إلى نقص المياه، وتردي البنية التحتية، وغياب أدنى مقومات الحياة الكريمة.


الرد الرسمي لم يكن متوقعًا؛ إذ تقدم مدير المديرية بدعوى ضد أعضاء الفرقة بتهم تتعلق بـ"التشويه والتجاوز"، ما اعتبره الناشطون والمحتجون "محاولة لإسكات الأصوات الحرة وقمع حرية التعبير"، خاصة وأن العرض المسرحي خلا – بحسب شهود ومتابعين – من أي إساءة شخصية أو قذف، واقتصر على النقد البناء من منطلق معاناة المواطن.
  • تضامن واسع
تفاعلت جهات حقوقية وثقافية مع القضية، معبرة عن رفضها للملاحقات القضائية ضد العمل الفني، مشددة على أن الفن جزء من حرية التعبير، ويجب احترام دوره التوعوي والرقابي.


فرقة البندر بدورها أصدرت بياناً أكدت فيه أن ما قالته على لسان أعضائها كان نابعاً من "تجربة حية"، عاشها الفنانون كمواطنين قبل أن يكونوا ممثلين، مضيفة أن "الكلمات حملت وجع دوعن وقهر سنوات من الصمت والتبرير والخذلان الرسمي"، وأنها لم تخرج عن إطار النقد المشروع للمسؤول الأول عن تدهور الوضع، انطلاقاً من مسؤولياته القانونية والإدارية.


الفرقة وجهت شكرها لكل من ساندها، من نشطاء ومثقفين ومحامين، منهم المحامي أيمن بن خبران، الذي رافقها في دوعن، إلى جانب الدعم المعنوي الكبير الذي تلقته من عموم أبناء حضرموت.
  • المدير يتراجع عن الدعوى
أمام تصاعد الاحتجاجات وتنامي التأييد الشعبي للفرقة، أعلن المدير العام للمديرية سالم بانخر تنازله عن الدعوى المرفوعة، في خطوة فُهمت على نطاق واسع أنها جاءت تحت ضغط شعبي ورسائل احتجاجية قوية أوصلت إلى السلطات المحلية.

لكن التنازل لم يطفئ نار الغضب الشعبي، حيث أكد المتظاهرون أنهم مستمرون في حراكهم السلمي حتى تحقيق كافة المطالب، وفي مقدمتها إقالة مدير المديرية وتحقيق إصلاحات ملموسة في قطاع الخدمات العامة.


قضية دوعن ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع تعانيه مختلف مديريات حضرموت من انهيار شبه كامل لمنظومة الكهرباء، ونقص متواصل في الخدمات الأساسية، دون حلول جدية من السلطة المحلية أو الحكومة المركزية، بحسب ما أكدت فرقة البندر في منشوراتها.

الفرقة اعتبرت أن نقدها يشمل كافة مناطق حضرموت، وأنها تسعى دائماً لتسليط الضوء على أزمات الناس وإيصال أصواتهم، وتؤدي دوراً وطنياً في الدفع نحو إصلاح حقيقي، معتبرة أن "الفن هو آخر ما تبقى من أدوات التغيير السلمي في وجه الفشل الرسمي".

ما تشهده دوعن تعبير عن أزمة ثقة متراكمة بين المواطن والسلطة المحلية. العرض المسرحي كان مجرد شرارة فجّرت سخطًا شعبيًّا دفينًا، ظل يتراكم بصمت تحت وطأة الانهيار المعيشي، قبل أن يجد فرصة للانفجار بفعل موقف فني شجاع.

وبينما تسود التهدئة الحذرة عقب تراجع المدير عن الدعوى، تبقى المطالب الجوهرية على الطاولة.. إقالة المسؤول المقصر، ومعالجة الخدمات المنهارة، وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعيد للمواطن كرامته وحقوقه الأساسية، ويكرّس احترام حرية التعبير والفن كأداة من أدوات التغيير السلمي.