> الرياض/ الكويت «الأيام» خاص:

  • تحول إيراني يثير تساؤلات حول أمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة
  • إيران استهدفت الخليج بـ (4391 ضربة) مقابل (930 ضربة) لإسرائيل
  • هدف إيران الجديد..زعزعة استقرار المنطقة والضغط على حلفاء أمريكا
  • استهداف منشآت الطاقة الحيوية في الخليج يشعل تداعيات عالمية كارثية
> كشف مسؤولون خليجيون أن التحول الأخير في نمط الهجمات الإيرانية، والذي نقل الجزء الأكبر من الضربات الصاروخية والمسيّرة إلى دول الخليج، يمثل «استراتيجية مدروسة» تستهدف قلب معادلة الصراع في المنطقة، والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها عبر بوابة أمن الطاقة.

وأوضح المسؤولون، في تصريحات خاصة لـ«الأيام»، أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن نحو 83 % من الهجمات الإيرانية خلال الفترة الأخيرة استهدفت دول الخليج، مقابل نسبة محدودة طالت إسرائيل، وهو ما يعكس «تغييرًا جوهريا في أولويات طهران العسكرية والسياسية».

وتشير الإحصائيات الرسمية الأخيرة إلى تحول جذري في استراتيجية الهجمات الإيرانية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي. فقد استهدفت إيران بشكل لافت دول الخليج العربية بـ 4.391 ضربة. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الهجمات التي استهدفت إسرائيل، الطرف الرئيسي في النزاع، 17 % فقط، بعدد 930 ضربة. هذا الانزياح الاستراتيجي يثير تساؤلات جوهرية حول الدوافع الإيرانية الحقيقية وحدود الردع الإقليمي والدولي، ويؤكد أن دول الخليج أصبحت المسرح الرئيسي لتصعيد غير مباشر.

بالحديث إلى العديد من المسئولين الخليجيين خلال الخمسة الأيام الماضية أظهرت البيانات تفاصيل دقيقة لتوزيع هذه الهجمات، حيث كانت الإمارات العربية المتحدة الأكثر تضررًا بـ 2156 هجمة، تليها الكويت بـ 791 اعتداءً، ثم المملكة العربية السعودية بـ 723 صاروخًا ومسيرة، والبحرين بـ 429، وقطر بـ 270، وأخيرًا سلطنة عمان التي استهدفتها 22 طائرة مسيرة. هذه الأرقام تعكس استهدافًا ممنهجًا للمنشآت الحيوية والأعيان المدنية في دول لا تعد طرفًا مباشرًا في النزاع، مما يهدد أمن المنطقة واستقرارها بشكل مباشر.
  • الدوافع الإيرانية: استراتيجية رفع التكاليف والضغط غير المباشر
لا يمكن تفسير هذا التحول في مسار الهجمات بأنه مجرد صدفة أو انفعال تكتيكي؛ بل هو خيار استراتيجي مدروس يهدف إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية لطهران. تستغل إيران الأوضاع الراهنة لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل، واستغلال الثغرات الأمنية في دفاعات المنطقة.

رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها هو الهدف الأساسي لإيران فقد استهدفت إيران مصالح حلفاء واشنطن في الخليج، ولا سيما القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب. كما أن استهداف منشآت الطاقة الحيوية، مثل حقل غاز قطر ومصافي السعودية، يهدف إلى إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، مما يعزز القدرة التفاوضية الإيرانية ويدفع المجتمع الدولي للتدخل.

لا يمكن تفسير هذا التحول في مسار الهجمات بأنه مجرد صدفة أو انفعال تكتيكي؛ بل هو خيار استراتيجي مدروس يهدف إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية لطهران.

تستغل إيران الأوضاع الراهنة لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل، واستغلال الثغرات الأمنية في دفاعات المنطقة.

تستهدف إيران مصالح حلفاء واشنطن في الخليج، ولا سيما القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب. كما أن استهداف منشآت الطاقة الحيوية، مثل حقل غاز قطر ومصافي السعودية، يهدف إلى إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، مما يعزز القدرة التفاوضية الإيرانية ويدفع المجتمع الدولي للتدخل.

الرسم البياني يوضح العدد الإجمالي للهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج وإسرائيل
الرسم البياني يوضح العدد الإجمالي للهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج وإسرائيل

هذا الفيديو يناقش تداعيات الحرب على إيران وتأثير استهداف منشآت الطاقة والغاز، مما يسلط الضوء على أحد الدوافع الرئيسية للهجمات الإيرانية.

من خلال تركيز الهجمات على دول الخليج، تحاول إيران إبعاد الصراع عن العمق الإسرائيلي، وتحويله إلى معركة إقليمية غير مباشرة. هذه الاستراتيجية تمكّن طهران من استنزاف خصومها عبر وكلاء ومناطق ذات حساسية جيوسياسية، مع تجنب الاستفزاز المباشر الذي قد يؤدي إلى رد فعل إسرائيلي عنيف أو تدخل عسكري أمريكي أوسع.
  • استغلال الثغرات الأمنية
تعتمد إيران على تعدد مصادر التهديد، باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، لاستنزاف الدفاعات الجوية الخليجية. فرغم فاعلية هذه الدفاعات بنسبة اعتراض تصل إلى 95 %، إلا أنها تواجه تحديات في الحفاظ على مخزون الصواريخ الاعتراضية على المدى الطويل، مما يجعلها عرضة للاستنزاف.

في مواجهة هذا التصعيد، أظهرت دول الخليج ردًّا مزدوجًا يجمع بين الصمود العسكري الفعال والضغط الدبلوماسي النشط على الساحة الدولية.

حققت منظومات الدفاع الجوي الخليجية، مثل "ثاد" (THAAD) و"باتريوت PAC-3 MSE"، معدلات اعتراض مرتفعة ضد الصواريخ الباليستية (94 %-95 %) والطائرات المسيرة (90 %-95 %). يعود هذا الأداء المتميز إلى شبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، والاعتماد على رادارات الإنذار المبكر المتطورة، والتعاون الوثيق مع الشركاء الغربيين، بالإضافة إلى الخبرة المتراكمة من التعامل مع هجمات سابقة.

الدولة المستهدفة

عدد الهجمات (صاروخ ومسيرة)

النسبة المئوية من إجمالي الهجمات

الإمارات العربية المتحدة

2156
% 40.9

الكويت

791
% 15.0

المملكة العربية السعودية

723
% 13.7

البحرين

429

% 8.1

قطر

270

 % 5.1

عمان

22

 % 0.4

إجمالي دول الخليج

4391

 % 83.2

إسرائيل

930

% 16.8

المجموع الكلي

5321

% 100

كما تقوم دول الخليج بتعزيز قدراتها الدفاعية من خلال تحديث القدرات الجوية وتنظيم تمارين عسكرية مشتركة مثل "درع الخليج 2026" لتعزيز الجاهزية القتالية.

منذ بداية الأزمة نجحت دول الخليج في تحويل الأزمة إلى مسار دولي، حيث أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الهجمات الإيرانية بالإجماع، واصفًا إياها بـ "الشنيعة" وطالبًا طهران بتقديم تعويضات فورية للمتضررين. هذا القرار يعزز الموقف الخليجي ويضعف الشرعية الإيرانية، خاصة مع تأكيد المجتمع الدولي على ضرورة احترام القانون الدولي، وعدم استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وأهمية حماية الملاحة الدولية واستقرار إمدادات الطاقة في مضيق هرمز.

إنفوجرافيك يوضح الإدانة الأممية للهجمات الإيرانية وتأثيرها على المنطقة
إنفوجرافيك يوضح الإدانة الأممية للهجمات الإيرانية وتأثيرها على المنطقة

استمرار الهجمات الإيرانية على دول الخليج يحمل تداعيات خطيرة لا تقتصر على المنطقة فحسب، بل تمتد لتؤثر على الاقتصاد العالمي واستقرار العلاقات الدولية.

تعد الهجمات على منشآت النفط والغاز في قطر والسعودية، بالإضافة إلى محاولات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي.

وقد تسببت هذه الهجمات بالفعل في اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على المستهلكين حول العالم.
  • اختبار التحالفات العسكرية والأمنية
تكشف الهجمات عن عجز نسبي للقواعد الأمريكية عن حماية الخليج بشكل كامل، مما يدفع دول المنطقة إلى إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الحماية الخارجية. هذا قد يعزز اتجاهها نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية وتعميق التعاون الأمني الإقليمي، مع الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية الدولية.

منظومة باتريوت - إحدى أبرز منظومات الدفاع الجوي التي تستخدمها دول الخليج للتصدي للهجمات
منظومة باتريوت - إحدى أبرز منظومات الدفاع الجوي التي تستخدمها دول الخليج للتصدي للهجمات

بالمقابل تتمتع دول الخليج بشبكة دفاع جوي متطورة، تُظهر كفاءة عالية في التصدي للهجمات. يعتمد هذا النجاح على منظومات متقدمة وتكامل تشغيلي وشراكات استراتيجية.
  • تكنولوجيا الدفاع الجوي المتطورة
تعتمد دول الخليج على منظومات دفاع جوي متطورة مثل THAAD (نظام الدفاع الصاروخي للمسرح عالي الارتفاع) وباتريوت PAC-3 MSE. هذه الأنظمة توفر قدرات اعتراضية متعددة الطبقات، قادرة على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات الجوية، من الصواريخ الباليستية إلى الطائرات المسيرة.

يساهم التعاون الإقليمي والمناورات المشتركة، مثل "درع الخليج 2026"، في تعزيز الجاهزية القتالية والتكامل بين أنظمة الدفاع الجوي للدول الأعضاء. هذا التعاون يضمن استجابة منسقة وفعالة للهجمات، ويقلل من نقاط الضعف المحتملة.

رغم الكفاءة العالية، تواجه هذه الدفاعات تحديات تتعلق باستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية والحاجة المستمرة لإعادة التزويد والصيانة. يتطلب الصمود في وجه الهجمات المتكررة استدامة لوجستية قوية، وعقود ذخائر طويلة الأجل، وتوطين صيانة وإنتاج الأجزاء الاستهلاكية.

لم تمر الهجمات الإيرانية دون رد فعل دولي قوي. فقد أدت هذه الاعتداءات إلى إدانة أممية صريحة ومطالبة بتقديم تعويضات، مما يعكس عزلة إيران المتزايدة على الساحة الدولية.

فقد تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، واصفًا إياها بـ"الشنيعة" و"العدوان السافر". هذا القرار، الذي تقدمت به دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، يطالب إيران بوقف فوري للهجمات وتقديم تعويضات للمتضررين، مؤكدًا على ضرورة احترام القانون الدولي.

وتضع المطالبة الأممية بالتعويضات إيران أمام تبعات مالية وقضائية محتملة، وتفتح الباب أمام دول الخليج لتوثيق الأضرار وتأسيس مطالبات قانونية لاحقة. هذا يعزز الضغط الدولي على طهران ويجعلها تتحمل المسؤولية عن أفعالها.

على مستوى العزلة السياسية والاقتصادية أكد المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة في جنيف، عبد المحسن بن خثيلة، أن استمرار هذا النهج "لن يحقق لإيران أي مكاسب، بل سيكلفها ثمنًا سياسيًّا واقتصاديًّا باهظًا، ويزيد من عزلتها". هذا التحذير يسلط الضوء على أن إيران تخاطر بتعميق عزلتها الدولية وزيادة العقوبات في حال استمرارها في هذا المسار.

لا يمكن فصل الهجمات الإيرانية عن تأثيرها المباشر على استقرار المنطقة وعصب الاقتصاد العالمي. إن هذه الأفعال تشكل تهديدًا متعدد الأوجه يتطلب استجابة دولية منسقة.

محاولات إيران لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يعبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، تمثل تهديدًا خطيرًا للتجارة الدولية وأمن الطاقة. أي اضطراب في هذا المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، مما يؤثر سلبًا على الاقتصادات العالمية.

وأسفرت الهجمات عن خسائر في أرواح المدنيين، واستهدفت مناطق سكنية ومنشآت حيوية وبنية تحتية، مما يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني. هذه الخسائر تؤكد على الحاجة الماسة لوقف هذه الاعتداءات وحماية المدنيين.

مع استمرار الحرب، يظل مستقبل المنطقة محفوفًا بالغموض. ترفض إيران التفاوض تحت الضغط، وتؤكد على استعدادها لجميع السيناريوهات، مما يعكس تعقيد الأزمة ويشير إلى أن التهدئة قد تكون بعيدة المنال في ظل استمرار التصعيد.
  • دعوات لمراجعة الحسابات
دعت السعودية، على لسان مندوبها، طهران إلى "مراجعة حساباتها الخاطئة"، محذرة من أن مواصلة الاعتداءات على دول المنطقة ستؤدي إلى نتائج عكسية تفاقم أوضاعها وتعمق عزلتها. هذه الدعوة تؤكد على أهمية البحث عن حلول دبلوماسية ووقف التصعيد.

يواجه الخليج تحديًّا كبيرًا في الحفاظ على توازن دقيق بين الردع العسكري وعدم الانجرار إلى حرب شاملة. ففي حين أن الدفاعات المتطورة تحد من تأثير الهجمات، فإن الحل المستدام يتطلب جبهة دولية موحدة لتثبيت حرمة الملاحة والطاقة، وضغوطًا اقتصادية انتقائية لإجبار إيران على تغيير سلوكها.

إن التحول الجذري في استراتيجية الهجمات الإيرانية، من تركيزها على إسرائيل إلى استهداف دول الخليج العربية بشكل مكثف، يمثل تطورًا خطيرًا في ديناميكيات الصراع الإقليمي. هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى رفع تكلفة الحرب على حلفاء الولايات المتحدة وزعزعة استقرار سوق الطاقة العالمية، تحمل تداعيات عميقة تتجاوز حدود المنطقة. وبينما تظهر الدفاعات الجوية الخليجية صمودًا ملحوظًا، ويستجيب المجتمع الدولي بإدانات ومطالبات بالتعويضات، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على توازن دقيق بين الردع العسكري وتجنب الانزلاق نحو صراع شامل، مع إيجاد مسار دبلوماسي يجبر إيران على مراجعة حساباتها والامتثال للقانون الدولي.