> عدن «الأيام» خاص:

  • شركة المفلحي توقف تعاملاتها مع المودعين ومؤشرات على إفلاس شركات أخرى
  • خبير: البنك المركزي مسؤول عن رقابة الصرافين وليس من مهامه تحذير المواطنين
> قال متعاملون ومودعون مع شركة المفلحي للصرافة والتحويلات إن الشركة أقفلت أبوابها وتوقفت بشكل كلي عن التعامل مع المودعين، دون أي توضيح رسمي من إدارة الشركة، ما أثار حالة من الذعر والقلق في أوساط المودعين الذين وجدوا أنفسهم أمام أبواب مغلقة ومدخرات مهددة بالضياع.

وبحسب مهتمين بالشأن المصرفي وتقديرات غير رسمية فإن حجم الأموال التي كانت تديرها شركة المفلحي قد يتراوح بين 30 إلى 60 مليون دولار، وهو رقم يعكس حجم المخاطر التي تراكمت بصمت خلال الفترة الماضية، قبل أن تنفجر بهذا الشكل المفاجئ.

ولم يكن هذا التطور معزولًا عن سوابق قريبة، حيث سبق أن شهدت عدن حالات انهيار مماثلة، أبرزها قضية إفلاس الصلاحي للصرافة، التي شكّلت حينها صدمة أولى في السوق، وكشفت هشاشة هذا القطاع واتساع حجم الأموال التي تُدار خارج الإطار المصرفي. ورغم ما أثارته تلك الحادثة من جدل وتحذيرات، إلا أن سلوك السوق لم يتغير على نحو جذري، لتتكرر اليوم ذات المشاهد ولكن بأرقام أكبر ومخاطر أعمق.

وكان البنك المركزي في عدن قد أصدر تحذيرات متكررة شدد فيها على أن شركات الصرافة لا يحق لها قانونًا استقبال الودائع أو العمل كبنوك، محذرًا المواطنين من مغبة إيداع أموالهم لديها. غير أن هذه التحذيرات اصطدمت بواقع اقتصادي معقد، حيث لجأ كثير من المواطنين إلى الصرافين نتيجة ضعف الثقة بالبنوك، وصعوبة إجراءات السحب، والبحث عن خدمات أسرع وأكثر مرونة، الأمر الذي أدى إلى تضخم نشاط ما بات يُعرف بـ«بنوك الظل» خارج الإطار الرقابي.

ومع اتساع هذه الظاهرة، تحولت شركات الصرافة إلى خزائن مفتوحة تستقبل الأموال دون غطاء مصرفي أو احتياطات كافية، ما جعلها عرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي للسيولة. ومع بدء الإجراءات التنظيمية التي اتخذها البنك المركزي خلال العام الماضي، والتي شملت إيقاف عشرات شركات الصرافة وإغلاق مقراتها، دخلت هذه الشركات في مرحلة حرجة، حيث واجهت ضغوطًا متزايدة من المودعين، الأمر الذي عجل بانكشاف هشاشتها المالية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن إفلاس شركة المفلحي ليس حالة فردية، بل حلقة جديدة في سلسلة أزمة تضرب قطاع الصرافة في عدن، حيث تم خلال الفترة الماضية إيقاف أو تعليق نشاط أكثر من أربعين منشأة صرافة، وسط تقديرات تشير إلى أن حجم الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي قد يتراوح بين 200 إلى 500 مليون دولار، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين النظام المالي الرسمي والواقع الاقتصادي الفعلي.

ويضع هذا التطور آلاف المودعين أمام مصير غامض، في ظل غياب آليات واضحة لحماية أموالهم أو تعويض خسائرهم، خصوصًا وأن التعامل مع شركات الصرافة خارج الإطار القانوني لا يوفر أي ضمانات. كما يثير تساؤلات جدية حول مصير هذه الأموال، وما إذا كانت قد تبخرت نتيجة سوء إدارة، أم نتيجة مضاربات، أم أن هناك شبهة احتيال منظم لم تتكشف تفاصيله بعد.

وفي تعليق على هذه التطورات، قال الباحث والخبير الاقتصادي وحيد الفودعي إن "البنك المركزي لا يفترض به أن يكتفي بتنبيه المواطنين بعدم الإيداع لدى شركات الصرافة، لأن الأصل أن الرقابة تُوجَّه إلى الجهات الخاضعة له، لا إلى الجمهور. وأوضح أن ما حدث لا يمكن تفسيره باعتباره أخطاء فردية من المواطنين، بل هو نتيجة خلل رقابي واضح، مشيرًا إلى أن شركات الصرافة مارست فعليًا وظائف مصرفية لسنوات دون تدخل حاسم".

وأضاف الفودعي أن ا"لتحذير لا يُعفي من المسؤولية، لأن وظيفة الجهة الرقابية ليست إصدار التنبيهات، بل فرض الامتثال ومنع المخالفة من الأساس، مؤكدًا أن التثقيف المصرفي مهم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن ضبط المخالفين الذين يعملون أصلًا تحت إشراف الجهات الرسمية. ولفت إلى أن كفاءة أي نظام رقابي تُقاس بقدرته على الضبط المسبق، لا بالتبرؤ اللاحق بعد وقوع الأزمة".

وأشار إلى أن تحميل الأفراد كامل المسؤولية مع تجاهل دور الجهة المنظمة يمثل تبسيطًا مخلًا، لأن ما جرى هو انزلاق مؤسسي سمح بتشكل قنوات مالية خارج الإطار القانوني وتحت نظر الجهات المعنية. وأكد أن المشكلة لا تكمن فقط في أخطاء المواطنين، بل في أن المخالفات تُركت حتى تحولت إلى واقع عام.

وكشف الفودعي أن "التحذير من مخاطر الإيداع لدى الصرافين ليس جديدًا، إذ سبق أن أشارت إلى ذلك منذ عام 2018 في عدة مقالات، بعد أن رفع تقارير وتوصيات متكررة لصناع السياسة النقدية بضرورة تفعيل الدور الرقابي ومنع هذا التوسع غير القانوني، غير أن غياب المعالجة الفعلية هو ما أوصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم".

ويجمع مراقبون على أن ما حدث يمثل نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة، في مقدمتها ضعف النظام المصرفي، وغياب الثقة بالمؤسسات المالية، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وهي عوامل دفعت المواطنين إلى البحث عن بدائل سريعة، لكنها محفوفة بالمخاطر. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية بمثابة جرس إنذار متأخر، يعكس حجم الاختلالات التي يعاني منها القطاع المالي في عدن، ويؤكد أن تحويل شركات الصرافة إلى بديل للبنوك لم يكن سوى مسار مؤقت انتهى بانهيار مكلف، قد لا تكون تداعياته قد ظهرت بالكامل بعد.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل تكرار هذه الوقائع:

- ما الذي يمنع أي صراف آخر من إغلاق أبوابه فجأة والفرار بأموال المودعين؟